المنتدى يا حليلو [ الكاتب : احمد محمد صالح بادي - آخر الردود : احمد محمد صالح بادي - ]       »     رحل مامان [ الكاتب : سيف الدين محمد الامين - آخر الردود : سيف الدين محمد الامين - ]       »     مصر درب الساقي [ الكاتب : عبد المنعم محمد توب السوق - آخر الردود : عبد المنعم محمد توب السوق - ]       »     حكمــــــــــة اليـــــوم [ الكاتب : احمد عبدالله جقلاب - آخر الردود : احمد عبدالله جقلاب - ]       »     رحماك ولطفك ربى بالسودان، الكا... [ الكاتب : احمد محمد صالح بادي - آخر الردود : احمد محمد صالح بادي - ]       »     قالوا تكوس في الغرق تلقى المطف... [ الكاتب : عبد المنعم محمد توب السوق - آخر الردود : عبد المنعم محمد توب السوق - ]       »     لا لأكياس البلاستيك .. ونعم لل... [ الكاتب : علي محمد أحمد (أبورنس) - آخر الردود : عبد المنعم عبد الرحيم حضيري - ]       »     ما كتب عن الراحل المقيم مامان [ الكاتب : عبد المنعم عبد الرحيم حضيري - آخر الردود : عمر محمد نور - ]       »     "زينه وعاجباني مع تحيات عمر تر... [ الكاتب : عمر محمد علي ترتوري - آخر الردود : عمر محمد علي ترتوري - ]       »     أحلام و حطام [ الكاتب : ودسوار - آخر الردود : عبد الرحمن (عطبرة) - ]       »     مالك ديمه صارِّيْ الوَّشْ؟! مش... [ الكاتب : احمد محمد صالح بادي - آخر الردود : احمد محمد صالح بادي - ]       »     وا مغستي على الجيران...، وا شر... [ الكاتب : احمد محمد صالح بادي - آخر الردود : احمد محمد صالح بادي - ]       »     نفّـــــــاج: [ الكاتب : عمر محمد نور - آخر الردود : عمر محمد نور - ]       »     ما الذي تريده مصر من السودان [ الكاتب : عبد المنعم محمد توب السوق - آخر الردود : عبد المنعم محمد توب السوق - ]       »     فى حسيب رقيب علينا، من رقبتنا ... [ الكاتب : احمد محمد صالح بادي - آخر الردود : احمد محمد صالح بادي - ]       »     أوعى تكبْ الموْيهْ فوق طين، وق... [ الكاتب : احمد محمد صالح بادي - آخر الردود : احمد محمد صالح بادي - ]       »     تأمّلات.. [ الكاتب : عمر محمد نور - آخر الردود : عمر محمد نور - ]       »     وداعاً عام 2017 {عمر ترتوري}". [ الكاتب : عمر محمد علي ترتوري - آخر الردود : عمر محمد علي ترتوري - ]       »     على قدر لحافك مِدْ أقدامك، وبا... [ الكاتب : احمد محمد صالح بادي - آخر الردود : احمد محمد صالح بادي - ]       »     ذاك العربِىُّ الذى تتدلى لحيته... [ الكاتب : احمد محمد صالح بادي - آخر الردود : احمد محمد صالح بادي - ]       »    

تسجيل خروج البحث تحكم العضو التسجيل الرئيسية


 
 
العودة   منتديات القـريـر > قــــائمة المنتديــــات > منتدى الحوار العام
 
 

الإهداءات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
 
  #1  
قديم 06-12-17, 10:33 PM
الصورة الرمزية ناصر البهدير
ناصر البهدير غير متواجد حالياً
قريرابي مميز
 





افتراضي رعاف الطمي

رعاف الطمي
ناصر البهدير
كنت أركض في متاهة النهر الصبي بآخر الأنفاس المتعبة والساعة تشير إلى ساعة الضحى، والوقت المتبقي من القيلولة ساعتان بحساب الزمن. آخر النخلات التي غرسها أبي أسافل درب الترك، تلوح في البعيد مفازة للغروب والانتظار المر لأن تثمر حين بُعيد معاشه الإجباري. قرص الشمس لا يكف عن إرسال أشعته، ودرجة الحرارة تبلغ صوب تحديقها مسافة أن تسقط بعض الزهرات عن منقاية أمي دار النعيم عند أعالي درب الترك.
ما بين زحف الشمس نحو إنتصاف كبد السماء وحصار المياه العنيف، تمر اللحظات معتقة بطعم التراب، وصياح البهائم مختلطة برائحة روثها، وحمار عمي في غيبوبة عن أخبار النهر، فضلًا عن امتلأ المكان بالحشرات والبراغيث والباعوض.
نبات الحلفا في مسرح تخوم قوز الرماد يرتدي حُلة من الإخضرار يشاركه فيها العشر، وشجرة الحراز التي تصر على أن تطرح خرومها بطرف خفي، وكلنا نعي حربها الضروس مع المطر. والمطر يهطل، والنهر في تمرده، وخور أبو دوم يواصل نزيفه ويجتر ذكرى مضت من العام 1978م.
جدتي تهرب نحو البحر الطامح في أقصى احتمالاتها تصنع للناس صافرة الحرب الضروس وقتل النهر الذي لا يكف عن أشهار سلاحه من كل عام. وتملأ حلاقيمها بالزغاريد ضد انتفاضة المياه التي تسقي كل شيء حتى أعالي ساقية السورجاب عند منعرج دوم المهاجر.
بيني وبينها أعواد طويلة مثمرة من تمر سيد أحمد ود حمد قُبيل الطوفان. لا استطيع بلوغ هامته والمسافة والغة في دمي حتى حدود ما طمح من صدر منقة دار النعيم.. لحظتها وقلبي يلتصق بأعشاب درب الترك، ندية وفارعة وخضراء في لون جسدها تناهد وتصارع ورلًا أرعنًا يرعى بعنف أظنه اشتهاء نزق كما ذاك المخبول الذي جثا وتخلص من رغبته على قارعة الطريق المؤدي إلى ساقية حسين. وجده الناس مفترسًا امرأة غبشاء في لون طمي الجروف، ضلت طريقها إليه بمحض الصدفة وهي برفقة صويحباتها الريانات كشعاع شمس تنحدر ما وراء أشجار دوم المهاجر العالية والشاهقة التي لا تصلها إلا بامسيكة رقطاء.
الورل والمخبول سيان الإثنان في حلبة تدافع محموم تفضح ضوء النهار، وهو يمضي في انزلاق الأفق حسيرًا وبائسًا وضجرًا من هول ما رأى. ما رأيت مثل ما رأى البعض فيض الحيامن الذي فاض وأغرق أرض الدوم في دوامة الموت.
شيئَا ما شدني عميقًا! والورل لا أدري ماذا يفعل أعلى صدرها وأسفل ساقيها المنفرجات. التف بذيله على احدى السوق المستديرات واليسرى تمارس حريتها في الشبق الدائري المتصل.
شدني صفيرًا زائفًا من لهاة الوقت أمن العاشقان! استبدت بي الحيرة وقلقًا خفيف ملأ جوانحي وتسرب بسرعة إلى دماغي وما عدت أسمع ولا أرى إلا جيوشًا من النمل تتحدر وتتكور حول قطعة من الأرض مبلولة بسائل مخضب ومتماسك وخليط من ألوان شتى تضارع لون زهرة شجرة الحراز كما ذات رائحة ثمار الخروم حين تطرحه الحرازة الكبيرة عند أعلى الأرض الملاصقة لقوز الحلفا.
فجأة، عدت إلى وعي ورشدي، وبدأت الأرض تفور وتصهل كخيل انتمى لذاكرته. رويدًا رويدًا، تفجرت الأرض الرطبة عن كتل من الماء الحار تتدفق بسرعة البرق والرعاف، وما انتظرت حتى يخلو المكان من الناس المنتشرة في رزقها. بدأ الصياح يعلو هنا وهناك، والجموع تهرب بمحاذاة الشجرة العتيقة حتى تدفقت ثمارها على وجه المياه طافحة. انهمر الماء وتصاعدت الأصوات، والفيض يعلو من على سطح الأرض ومن اللزج الذي تبرع بها الورل لساقية الأرض بعد يبابها وجفافها الذي طال لأكثر من عقد من عمر الزمان. ثلاثة عشر عامًا لم تتذوق التراب طعم الطمي ولا الخصوبة ولا حصة من الندى المترع بالحب المتوارث من غيث النهر والقساوة التي ورثتها عن جند الأتراك. الأرض في خريطتها حبلى بالضجيج وأحذية الباشبوزق وأرجل حمار العمدة وثمار النيم المرة والعصية على معدة الكبار.
يمتد التدافع والجموع تهرب صوب تلال الرمل، والنهر يبلغ مدى غضبه ويحتل حوضه الكبير والقديم من جديد ويبسط سيطرته على كل الأشجار والأعشاب وعلى كل شيء يتنفس حتى برتقال جدي استثمر الفوضى وغادر على صهوة البركان واحتمى بالموضع عند حافة جزيرة مساوي واحتشد بفرح طفولي غامر، مستنشقًا نشوته من الهروب. وفي تيار الماء المنساب بخجل التقى الورل المراوغ الذي فشل في إحتوائه وافتراسه كما فعل مع الصبية بجوار ساق (المنقة).
في جغرافية الماء الواحدة يستوى كل شيء على ظهر النهر. والنهر يتباهى بسطوته وعنفوانه ولا أحد فوق سلطته حتى أبكار العمودية وأعضاء المجلس البلدي. مارس بطشه وجنونه، مسفرًا عن وجهٍ كالحٍ وقبيحٍ.
شرحت لعمي تفاصيل ما حدث تحت ظلال الثمار العالقة، وعن طقس المسافدة الذي جري أمام عيني وعيون النخيل في أعقاب ضحى اليوم المشؤوم. عمي يبكي ودمعه لا يكفكف ولا أنفه تكف عن السيلان مثل أبي. وكلاهما غارقًا في حزنه وشجنه الخاص. فقدوا نخيلًا كثيرًا مقارنة بضآلة معاشاتهم الشهرية التي ترفدهم بها المؤسسة الرسمية. بكوا حتى ابتلت لحاهم الصغيرة واختلط الدمع بلون جلاليبهم المصبوغة بماء (الدفيق). ما بين الدمع والنهر فيضُ أغرقهما في الصمت، خرسُ استوطنهم في العميق وشحنهم بسوانح وبوارح الموت الماثلة عند كل بقعة في البلد.
جدتي كانت تقول: "عمنول وقت أعمامك ديل غرقهم طوف الحرازة، ما بكوا زي اسه ولا اتاثروا بالوقعة ولا البحر الكسر وكتل الخدار.. شن دهاهم المرة دي". جدتي تحكي بمهل حتى غرقنا جميعًا في الوجوم وهجوم الذباب والباعوض الذي أعلن عن حضوره لأول مرة.
بت أمضي في سحب الذباب النهارية وأدغال الناموس في الليل، ومع ذلك لم أنس، وينصرف بالي البتة إلى أين ذهب وأختفى الورل! بل عدت منشغلًا بأمر الفتاة، أكثر مما تخيلت أن النهر فجعنا في كل شيء.
النهر لم يترك لنا شيئًا في حنايا الذاكرة لكي نتعقبه في سفوره. انشغلنا لأيام بتلبية الاستغاثات التي تأتي في الصباحات الباكرة أو تارة في متون الليل الموحشة بأصوات الثعالب وضحكات العاطلين الفاجرة التي يتصدرها صوت الصعلوك المأفون ورهطه الأربعين، وأغنيات العشاق الحزينة والمغسولة بنور القمر وهي ترسل مسامرات الضياء إلى الرمل مباشرة بلا وساطة من شيخ البلد ولا نذرًا يفرضه رمس عبد الرحمن المهاجر.
ننسرب سويعات لنرد جحافل النهر الغيور أو هجمات المطر المباغت والتي لا تعرف وقتًا معينًا للهطول على امتداد قرية الكنيسة والشمال برمته.
ما بال السماء! هل هي أيضًا غضبى لمشهد حادثة الأرض الرطبة تضامنًا مع النهر في غثيانه!
الريح أيضًا أسدلت ثوبها واختفت كما القانقرد وأخضر الأرض ولصوص الماء حين يعبون أحواضهم من حصة غيرهم في الخفاء بعيدًا عن المسؤولين الرسميين الذين يتوافدون في أيام موت النهر بكامل هندامهم القصير الناصع البياض. يشبهون ألوان حمام جدي في برجه العاجي. لا أحد يتسلقه ويتسور أعلاه أوان هذه المسغبة عدا الضواري الصغيرة التي تستغيث ضورًا في ليلها الطويل، مشهرةً نداء الجوع والحنين إلى أيام خوالٍ إنصرمت.
من يخصي غريزة الجوعّ لا الإشتهاء ووخزه اللذيذ؟ فالفراغ مسافة قصيرة مكتنزة بدهن التعب مثل ذيل الورل وهو يناجي ظل الشجرة، وعريض وضخم كمؤخرة الفتاة التي ضاجعها ولسانها يغمر أرخبيل عنق الوقت المنسحب. ربما كان ذلك ولكن رأيت الورل الغاصب يغرز سمه الغامض اللون ويهرب بها إلى أين؟ لا أدري حتى لحظتي هذا.
فتوق ورتوق الجوع ترقعها حبات البطاطس وقوارير الزيت واكياس السكر واللبن والطحين ولكن من يسد ثقوب اللذة التي أحدثها حيوان الورل الصغير. وأنا ضبطته يلعق ذيله من النشوة ورذاذ الفتاة المتطائر من تلة العجان.
لا أدري كيف دفن لسانه هناك واجترح لغته الرفيعة! وسافر بين ثنايا الروح حين تأتلف وتختلف في سيرورتها وصيرورتها، وغاب الأقران عن الكرنفال بفعل فاعل وحصص المدرسة. المعلم النحيل الأسمر اللون كان مشاركًا ومترصدًا يختبر التلاميذ بحسه الشاعري ويرهقهم بالدروس وحفظ جدول الضرب. ما بين الحصص والمهرجان، ذابت الحروف وأزدهت غناءًا عذبًا صدح به المغنون في ليالٍ البلد. القصيدة لوح معلق ومصلوب على أبواب شجرة (المنقة)، والجرح السليماني بياض بين شعاب النمل الذي أكتظ بالمكان.
هل كان كافيًا لتلسعني نحلة الدرب وتلفظني بعيدًا عن تداعيات المشهد، والنحلة قبيلة النشاز تتصيد كل شيء وتمتص رحيقه للأبد؟ قوس قزح لم ينجُ ذلك اليوم الماطر، وحبات المطر بين كثبان الرمل عدا بعض البرك التي لا تتجاوز أصابع الأيدي المفرودة. بركة عميقة بطول آهاتنا ترقد حيث بيت (فاطني بت إحمد). وعلى صدر موجها المح صورة مهتزة وممزوجة بطمي وصنادل لأطفال لنا ملقية بإهمال غير متعمد منذ غياب (فاطني) وعنزتها السوداء. أدرك أن الصورة غير ظاهرة وتمارس فوضاها وتتسكع على أوراق شجرة (المنقة). أرى فيها قدرًا كبيرًا من تفاصيل المشهد اللزج وبسببه ابتلت البلد وليست الأرض الرطبة وحدها فريسة إغواء الورل المراهق.
هل حقًا اكتمل كل شيء بهدوء وخلسة أوان ساعة الغي وغياب الناس؟ وقفت متعبًا، بوتيرة حمارٍ مرهق، أضناه الحمل الثقيل طيلة اليوم.
عمي يلح ويقول ويؤكد أن الورل يتلصص في الجزيرة على الماعز التي ترعى على خشاش الأرض في أزمنة الصيف الحارقة، وينال حظه من الحليب الطازج ويغيب. ويردف بثقة بأن ما رأيته لا يعدو أن تكون عنزة وضع الورل ذيله بين أرجلها وضمهما بقسوة وعنف حتى ارتوى ومن ثم هرب كما يفعل عادة دون وجل وهو الخبير بسبل كسب عيشه حين يعز ويشظف العيش. أما جدتي تروي شيئًا قريبًا من حديث عمي المرتاب والمشبع بحكايات أهل البلد. روايتها مكرورة وعهدها الجميع كمحفوظة يتلوها كبارهم عند المساءات الصافية التي يرسمها القمر على محيا الرمل؛ هالة يغني لها الصغار في دائرة تضيق بهم عند فرحهم القصير حتى تنفرج وتتبدد.
جدتي لم تزعم غير ذلك بل انضمت إلى ذاكرتها وقالت: "الورل يتأتي في أعقاب العشيات والناس نيام في ذات الوقت الذي تختلي فيه الثعالب بالدجاج وتطلق سحب الريح حتى يغيب سكان (الكفاج) غيبوبة مؤقتة. عنيفًا الثعلب حين يهشم رقاب كل الدجاج ويهرب بواحدة. ويدع أهل البيت يقدمون له ما تبقى كوجبات شهية ومجانية كلفته كبسولة من الريح النتن، بعد أن تتعفن وتتوزع ضحايا العاصفة على قوز الرماد.
جدتي حريصة على أن تقرن الورل بالثعلب والهر بحبل واحد فتلته من جذع الوقت، ولا تنسى ذلك؛ فخصومتها فاجرة ضد كل من يعتدي على زريبة بهائمها أو قفص دجاجها أو برج حمامها.
اعتدلت في جلستها على منتصف (العنقريب) والوقت قهوة بعد الزوال. تناولت فنجان قهوتها النهارية وقالت: "الورل عندما يجوع ولا يجد ما يأكله في البحر أو الجنائن لا يتواني أن يزحف عابرًا الحفير، ومن ثم درب الترك وطريق جاهوري إبان عودته من مروي المار بين البيوت والسواقي؛ تلك كل الطرقات والمفازات الصغيرة يشقها بدافع لحوح حتى يلج الزريبة ويتجول من عنزة إلى أخرى في سياحة تملأ بطنه بالحليب. ويرضع ما شاء له الوقت من الأثداء الواثبة والطرية والجافة ولا يغادر إلا على كسل".
يتفق عمي وجدتي ضد روايتي الفطيرة والمضطربة ويؤكدان بأن ما رأيته بأم عيني لم يكن سوى ورلًا ملأ جوفه من ضرع عنزة. في مطلق الأحوال، هي عنزة من سلالة عنزة (فاطني بت إحمد)، يراها الناس ليلًا فقط تتجول في الجنائن. ربما غفت بعد نوبتها الليلية واستراحت تحت ظل (منقة دار النعيم) حتى فاجأها الورل حين غفلة في الصباح.
الورل تسكنه الرغبات الفالتة والفراغات الضجرة والمتسعة التي لا يمكن سدها. كائن يفرط في البر والنهر بمعدل طفيف يفوز البر. كائن متفلت يؤذي خصوبة الماء بمخلفاته حيث يرتكز على مؤخرته بين الطمي المتحول مع سريان النهر ودوامات الماء. كائن لزج بالكاد يحسن التصرف نحو غريزته ومجونه.
ما رأيته، مشهد طبيعي جدًا، وقد لا يحدث في الواقع. شيءٌ مهولٌ ومجهولٌ يملأ ذاكرة الناس ويحتشد بين تلافيفها.
على شفير الهاوية، كنت أحدق في بئر جدي القديمة، لأرى مستوى أرتفاع منسوب المياه. أسمع جلبة خفيفة تغشى أذني، كأنها عراك ملامسة ومؤانسة، والقمر شاهد بيننا على خيوط ضوء لامع وساطع على الماء المتحرك ورمال حوش جدي وسوره الطيني. صوتُ متمهلُ ثقب طبلة البئر. أصواتُ متتالية تبلغ مداها الهندسي في نسق تجلى في لحن بديع. ذات الأصوات المسموعة يومئذ وقدماي على درب الترك وعيناي متسمرة على مشهد الغثيان النهاري الفاضح. يحول بيني وأن اتبين المنظر مساء أرخى سدوله على عجل.
عند خريف كل عام أي فيضان النهر وبلوغه منتهى التواصل، يرتفع منسوب مياه البئر وغير ذلك يحفزنا جدي لجلب سلحفاة النهر (أم دريقة) حتى تتنفس البئر وتمتحنا بالماء الزلال.
لم يخطر على بالي إنها السلحفاة النشطة كما يقول جدي ووصفني بغير المعقولية: "انت عقلك ده ما في محله.. الشيء أم دريقة".
لا يخامرني أدنى شك بأن السلحفاة تفقد روحها بمجرد إكمالها مهمة فتح مغاليق البئر وجعلها ضمن حوض المياه الجوفي العميق الذي يرقد تحت الصحراء الكبرى. واضحًا من الأنفاس الهامسة بأن الورل يمارس غوايته مع أنثى الضحى قبل حلول الظلام وتسنمه لمنتصف الكون.
مضيت إلى حال سبيلي والحيرة تقتلني. كيف انتقل الاثنان بسرعة الضوء وبأي ناقل هبطوا إلى غياهب البئر التي تتوسط الحوش.
عجلًا من أمري، بدأت أطوف بين البئر وحدود شجرة (المنقة) المثمرة، ويحول بيني النهر العظيم؛ أطول أنهار الدنيا، الذي توسط صدر الصحراء عند حافة قوز الرماد. أشواط لا تنتهي من هرولة تقطعها بيانات مركوزة على حواف شجرة السلم المحرم علينا لمسها والاقتراب منها بأمر جدي. أمد يدي لأجذبها. أتردد كثيرًا ويراودني شعور بالخيبة وصوت في داخلي يلح: هذه فرصتك لتعرف حقيقة هذه الأعلام البيضاء المنصوبة تحت الشجرة اليابسة وتحيط بخاصرتها. أقترب أكثر ومن ثم أعود القهقرى. اتحوقل ويعرقلني صوت الصفير القادم من جهة الزريبة. أعود أدراجي إلى داخل الحوش، ثمة نداءً ثقيلًا لكي اتراجع عن خطواتي! أمضي في استقامة حتى أقف على ضفة النهر المتبرجة والمبتذلة. ضفة تتعرى بين شعيرات ثمرة العشر المتناثرة في كل الفراغ الممتدد بين قوز الحلفا والرماد. ريح الظهيرة سر يمنح النبات تناسله الطبيعي وحقه في حفظ السلالة والنوع.
تحاصرني الشعيرات اللينة والدقيقة. سعال جاف ينشب في جوف حلقي ويستدعي مسيره المتقطع. خرائط من الدم القاني تتسربل وتحتقن عند أوردتي الخضراء ولا مغيث!
ويتصل ليلي بنهاري والنهر يحتل الاماكن كلها؛ فارضًا جبروته لدورة قمرية كاملة.
لا أحد يعرف متى يرجع النهر إلى مجراه بالضبط. أية ساعة ويوم مناسب لذلك! حتى المتاريس فشلت في التنبوء ولا نطاسي بارع في الإرصاد يستطيع أن يضع النهايات لجحافل المياه. ما أفدح حصار الماء وحصاده الآبق!
تواطأت وعمي لولوج النهر وجلب بعض أغصان من شجرة (منقة دار النعيم) كعلف للبهائم الجوعى. استدعينا طوف الحرازة وتوكلنا على الله، والمسافة ليست شاسعة بين الشجرة والبر. مسافة أن يمتص جدي الحسن رشفته الأولى من مشروب الشاى الساخن لحظة ميلاده بين أتون نار المنقد. لجدي طقس مشافهة لا ينازعه فيه أحد إلا هر ضل طريقه وتنصل من بني جلدته، وأضحى نمرًا من ورق في غابة الوحوش.
لا شيء أعتى من ضراوة تيار النهر وأشد رهقاً من غدره. غادرنا وأوراد عمي تحجب كل شيء حتى قاع الماء.
فجأة غطى وران على المكان ضجيجٌ وصخبٌ لا يمكن وصفه. سقط عمي على ظهره ممددًا على طول الطوف ذو الخمسة أمتار. ما بت أعرف هل سقط الورل واعقبته الأنثى أم سقطت الأنثى وتلاها الورل أم سقطت على الطين اللزج لوحدي! ريثما عدنا إلى وعينا في اللحظة، لبثنا بلا ماء وبلا شيء سواء ضحكات متوالية يصل صداها إلى خلوة ميرغني وترتد حتى غرب النهر. بيدي ثمرة مانجو صفراء تسر ظني، وبيد عمي عصفورًا صغيرًا من عصافير الجنة. انثيالات متلاحقة اقحمتني في نوبة تشويش وابتسامات درداء.
ما كان بوسعي وقتها أن أقول: إلى أين فر النهر وغاب! واهنٌ بلا بصيرة ولا هدى وطافح بهلوسات وروائح الطمي وعشقًا حميمًا يملأ فؤادي بلا ضجر، ويخترق سريرتي.
ما قبل ذلك، حدث الساعة التاسعة من يوم 11/8/1988م، أمر لم يكن متوقعًا على الإطلاق، حتى عشيرتي ذهلت في الحقيقة من جماح النهر دعك من الرغبة التي فجرت ينبوع الفيضان عند إنطلاق ساعة الصفر حين أعقبت خفوت الرعشة.
النهر يجامع الأرض في موسمه دون توجسات بطبيعة الحال. هكذا تمضي تراتبيته دون الخوض في كم يقضم من التلال والكثبان والمروج.
كل الأشجار مغالية في صمتها من شدة سخونة اللقاء الحار وارتفاع درجة الحرارة التي بلغت يومها (48) درجة مئوية، عندئذ اصطفت الرغبات تعانق عطشها وذبولها كما الأرض الجافة، ودودة تلتهم أعشاب الأرض بنهم وتلذذ كأنها النهايات المنعدمة.
في فسحات الصمت الدائخة والسكون المتسربل بدخان البخار المتصاعد نحو السماء الحارقة، صرت أترقب بريبة وشك؛ ساهم الطرف وشارد الذهن. قذف بي الزمن برعونة إلى قاع الهاوية حتى انتبذت حيزًا قصيًا من الخيال.
غير أن الشجرة مفزورة، تتهيأ للتقيوء. فعلًا طرحت ثمارها في تحدٍ يومض بالتوتر والارتعاب. الشجرة ينخرها التعب والعياء والخواء، منطوية على نفسها لإنقاذها من الرهق.
وغرقت في زفرة عميقة من الأسى والوجوم والشحوب وظلت تقاوم حتى تستيقظ من كآبتها. تسلبها الهواجس والوساوس كل راحة، وذاكرتها متعلقة باجهاض آخر لا تدري متى يحين!
حشرجات متقطعة تخرجها أوراق الشجرة وساقها العريض، من جوف الطوفان الذي غمر كل شيء حتى علا أغصانها. الورل يلتف حول ساقها والأنثى ملفوفة بأوراقها الخضراء.
إلى حدّ الآن ثمة أغنيات صادحة... والمغني سديد بصيرة والتزام يحقن الناس بالأمل: (يا بت العرب النوبية... يا بت النوبة العربية).
كما لا يزال الورل المشاغب، شبحًا يطاردنا عند كل زاوية من عروق الدم، وعند كل لحظة ابتعدنا فيها بمقدار كبير عن روح ذاكرة المكان. فالأنثى بوصلة لعودة تقترح الإجابة عن ألف سؤال طرح في ضحى البارحة!
هنا أركض خامد الأنفاس بين خيوط الطين المخملية وذاكرة الطمي الراعشة، وعلى حواف الجداول المنهزمة بالظل، وبين أفنان الأشجار الحية والميتة. استنشق الهواء العابر درب الترك بكل صفاء، واتمدد على شفيرة الهاوية كآخر اللحظات أطوي الروح في هذيانها وهروبها من قلب يخفق بالتضاد وصوت عصفورة عابرة تحلق في البعيد.. هناك حيث أكون مطويًا بين أجنحتها مجرد أمنية ولو تقطن ظلّ الريح.

من مواضيعي :
رد مع اقتباس
 
 
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

---
شارك هذا الموضوع مع أصدقائك على الفيس بوك
Share

الساعة الآن »10:18 PM.


Powered by vBulletin® Version 2018
.Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات القرير .Copyright ©2008- المواضيع المكتوبة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر عن رأي ادارة منتديات القرير free counters
شركة نوفــ العربية ــل